الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية الفة يوسف في حوار خاص حول النداء والموت والنهضة والمرزوقي

نشر في  19 أوت 2015  (11:33)

كلما تكلمت الباحثة والمفكرة ألفة يوسف خلفت جدلا كبيرا بسبب ما تثيره تعليقاتها من ردود أفعال مرتبطة أساسا بحدّة النقد الذي توجّهه «الدكتورة» في مختلف المجالات، وفي هذه المساحة حاورت أخبار الجمهورية ألفة يوسف التي تطرقت الى واقع المشهد السياسي وكشفت موقفها من النداء والنهضة والحركات الدينية في تونس..كما تحدثت باسهاب عن ملفي الارهاب وحقوق المرأة...

- شهد الأسبوع الفارط انطلاق فعاليات مؤتمر المثقفين التونسيين ضد الإرهاب، فكيف تقيمين هذه المبادرة؟
حقيقة لا يمكن الحديث مسبقا عن نتيجة أي مبادرة، لكن أعتقد أنها ستكون إيجابية في إطار المناخ العام خاصة أننا أصبحنا  في السنوات الأخيرة في تونس نشهد عادة جديدة وهي الانتقاص أو السخرية من أية مبادرة مهما كانت هوية منظميها وأصحابها.
كما اعتبر أن الهدف من مبادرة «المثقفون التونسيون ضد الإرهاب» كما وقع تسميتها، يبدو ظاهريا متلائما مع القوانين الإسلامية ومع دستورنا ومع الأهداف التي نسعى لتحقيقها وهي التصدي لظاهرة الإرهاب ودحره، لذلك لا داعي رفضها أو انتقادها. أما بخصوص تقييمها فلا أعتقد انه الوقت المناسب لذلك لأنها مازالت في بدايتها...
- برأيك ماهو الحلّ الأنسب لمقاومة الإرهاب؟
بطبيعة الحال لا يوجد حلّ سحري واحد لمعالجة هذه الظاهرة التي اجتاحت العالم كله وليس تونس فقط، لكن أولا قبل الحديث عن كيفية محاربتها يجب معرفة مسبباتها التي تعتبر  نتيجة لعدة عوامل سواء كانت داخلية عميقة خاصة بتونس منها الثقافية والاجتماعية أو عالمية من بينها إعادة توزيع خارطة السلطة في العالم..
أما بخصوص طرق مقاومة هذه الظاهرة فأعتقد أنّ الحلول الأمنية من بين الطرق المباشرة التي تساهم في القضاء عليها، لكن هذا الحل لن يتمكن من فضّ المشاكل المتعلقة بالإرهاب إذا أُكتفي  بتفعيله بعد حدوث «الكارثة أو المصيبة»، لذلك نحن اليوم بحاجة إلى تسليط الضوء على حلول المجالين الفكري والثقافي عبر نشر ثقافة المحبة والسلام وبناء المجتمع كله على علاقات ودية خاصة وأنّ المجتمع التونسي قائم على الكره وعلى الحقد والغيرة والحسد إلى جانب بروز مؤشرات انتشار ظاهرة القلق النفسي لدى عموم التونسيين.
- إذن ماهو المطلوب في هذه المرحلة؟
لا بد من إعادة إنتاج خطاب جديد سواء في الإعلام الذي أصبح جزء منه بعد 14 جانفي أداة  لبث نوع من أنواع العدوانية باحتواء حواراته على مظاهر السب والشتم ويكون الهدف الوحيد لها صناعة «البوز».
كما يجب من إعادة ترسيخ الفكر الكوني داخل المجال التعليمي وفي نفسية الإنسان لأنه مهما اختلفت انتماءاتنا العقائدية والجهوية والعرقية والجنسية فإنه في نهاية الأمر سيجمعنا هذا البعد الأساسي وهو بعد الإنسانية. لكن للأسف هذه المسألة لم نعد نتحدث عنها اليوم رغم أنها جوهرية وأساسية في بناء أخلاق المجتمع.
- برأيك لماذا فقد التونسي عامل الشعور بالثقة تجاه الطبقة السياسية؟  
هناك نوع من أنواع الانخراط في مبدأ الصراع وإثبات «الأنا» فقط، حتى في الضمير السياسي، فرغم تعاقب الحكومات وتعاقب الأنظمة يبقى المواطن العادي دائما فاقد الشعور بعامل الثقة، وذلك لترسخ مخيال شعبي بأن الحاكم هو الذي يريد الهيمنة على مقاليد السلطة ويريد أن ينهب مال البلاد ويحصل على اكبر قدر ممكن من الامتيازات. أعتقد أنّه يجب أن يتم محو هذا المخيال وتغييره لإنشاء عقلية جديدة وهي أنّ الساسة في خدمة الوطن وليس هدفهم أن يغنموا من هذا الوطن، ولم لا نرسّخ فكر التطوع دون الحصول على مقابل مثل أن ينخرط بعض النواب من رجال الأعمال أو الميسورين في العمل التطوعي دون الحصول على مقابل مادي لأن رجل وامرأة السياسة اليوم هما في خدمة هذا الوطن .
كما تجدر الإشارة إلى أن الوضع الذي نعيشه في تونس اليوم خطير جدا ليس على مستوى انتشار ظاهرة الإرهاب فقط بل من حيث التشتت والشرخ الاجتماعي.  نحن في حاجة إلى مشاريع كبرى تعيد إلى هذا الوطن وحدته وتماسكه.
- وما تقييمك لسياسيي اليوم في تونس؟
ليس هنالك اليوم رجل أو امرأة سياسة متميزان، لذلك نحن بحاجة إلى «قائد» ليس بمعنى الدكتاتور بل «الرمز» لأن جميع الشعوب تقيّم تاريخها وثقافتها على الرموز، لكن ورغم إيجابية عودة رجل من جيل بورقيبة وهو الباجي قائد السبسي إلى عتبة الحكم إلا أننا مازلنا لم نر رجلا سياسيا متميزا يشعر الشعب بأنه يريد أن يكون في خدمته..  يوم نشعر بأن المواطن العادي مثل سائق التاكسي وبائع الخضر والموظف العادي والطالب الشاب يتوقف عن القول ان الذي يمدح أحد الرجالات السياسية يعتبر نوعا من أنواع «هزان القفة» سعيا للحصول على امتيازات، يوم يصبح  هذا المواطن يقرّ بوجود رجل سياسة في خدمة الوطن عندها فقط يمكن أن نقول بأننا أنجبنا جيلا يخدم الوطن لا أن يستغله من اجل مصلحته الخاصة.
- لو توضحين لنا الأسباب الحقيقية لفتور علاقتك بحركة نداء تونس؟
هي ليست مسألة فتور بقدر ماهي مسألة سياق تاريخي، ففي مرحلة كان فيها نداء تونس متصديا لمشروع رجعي كان ينوي القضاء على المكاسب المدنية والحداثية في تونس، كان من الضروري والطبيعي مساندتي له مع عدد كبير من زملائي.
لكن ابتعادي ليس بسبب نداء تونس الذي يعتبر حزبا ككل الأحزاب التي تشهد مزايدات وحسابات حزبية مشروعة وطبيعية، لكن ذلك يعود لكوني كاتبة وباحثة ومفكرة قبل كل شيء فضلت أن يكون رأيي مستقلا وبعيدا عن كل الانتماءات الحزبية التي تفترض المساندة المطلقة التي لا استطيع تبنيها لأنني لا أستطيع المجاملة وأصدح دائما بالحقيقة سواء كانت تثمينا أو انتقادا.
 لكن هذا لم يمنعني طبعا من اختيار حزب وشخصية كما يفعل جميع التونسيين خلال الانتخاب.
- على ذكر الانتخاب، لو فرضنا أن الساحة السياسية ستظل بعد 5 سنوات على هذه الشاكلة فهل ستعيدين انتخاب حركة نداء تونس؟
حقيقة أنا لا اعتقد بأن الساحة السياسية في تونس بعد 5 سنوات ستظل على هذه الشاكلة خاصة أن حركة نداء تونس تعاني من مشاكل داخلية. كما أنّ العديد من ناخبيها خاب أملهم فيها، لذلك وجب تجاوز هذه الثنائية خاصة وأنني على علم بأن عددا كبيرا من الشخصيات الثقافية والسياسية تنوي إنشاء حركات وأحزاب جديدة. بعد 5 سنوات سيكون لكل حادث حديث وأكيد أنّ الذي سنرى فيه مصلحة الوطن سيستحق الدعم والمساندة.
- وهل وصلتك مقترحات في هذا الصدد؟
لقد تم الاتصال بي عديد المرات لكني كنت دائمة الرفض فانا فضلت أن أكون بعيدة عن كل انتماء حزبي. وتجربتي مع حركة نداء تونس كانت استثنائية وفي ظرف معين لن أعيدها وستكون التجربة اليتيمة في حياتي.
- كنت مهددة بالاغتيال ـ لا قدّر الله ـ فهل غيّر ذلك من مجرى حياتك؟
لا لم يحدث هذا، فحياتي اليومية على شاكلتها المعهودة، لكن ربما كان لذلك تأثير على مستوى حياتي الفكرية والروحانية حيث ضاعفت العمل على هذين المستويين خاصة وأنني عايشت تجربة الموت بطريقة مباشرة وكانت تجربة مفيدة جدا ساهم التعامل معها بطريقة روحانية  من تزايد السلام والاطمئنان.
- لو تفسّرين لنا ظاهرة بروز الحركات السياسية المقنعة بالدين؟
لقد بدأت هذه الظاهرة في تونس منذ السبعينات لكن تم القضاء عليها.. لكنها مشروع عالمي الهدف منه هو إعادة حكم العالم بطريقة مختلفة غير مباشرة عبر الاستعانة بجماعات تدعي أنها دينية لكنها تتستر به فقط.
ومثلما تم استغلال الشيوعية والنازية في وقت من الأوقات يتم اليوم استغلال الإسلام في نوع من التكنولوجيا القاتلة، ليصبح الدين مجرد غطاء للتحكم في السلطة.
- إذن هل يجب إقصاء الحركات المقنعة بالدين من المشهد السياسي التونسي؟
كإقصاء مبدئي أنا لست مع ذلك، لكن إذا ثبت فعلا علاقة هذه الحركات بأعمال مخالفة للقانون تتوجب عندها محاسبتها.
- وما رأيك بتغيّر خطاب النهضة؟
ليس من حقي الحكم على النوايا، لكن تغيّر خطاب بعض قيادات النهضة من زمان إلى زمان ومن سياق سياسي إلى غيره مدعاة لطرح العديد من علامات الاستفهام من بينها مدى حقيقة تبدّل هذا الخطاب. هل هو جوهري أم هو مجرد تغير لمسايرة واقع البلاد والتموقع  السياسي بطريقة أخرى.
- على هامش الاحتفال منذ أسبوع بالعيد الوطني للمرأة، ماهي الرسالة التي توجهها ألفة يوسف لنساء تونس؟
أرجو أن تصبح كل الأيام في تونس بمثابة أعياد فعلية للمرأة للاحتفال بها، ذلك أنّ العيد اليوم أصبح عبارة عن مجرد شعارات شكلية كفرصة لتذكر المرأة ومكتسباتها وكذلك النقائص الكثيرة التي مازالت تعاني منها. فالاحتفال إن صحّ يجب أن يكون تقييما للوضع الذي عليه المرأة اليوم، خاصة عندما ترى العدد الضئيل للنساء اللواتي هنّ في مواقع القرار رغم كل الكلام الفضفاض عن المرأة الذي أشبعتنا به الأطراف السياسية خلال فترة الانتخابات.
ألخص عيد المرأة في كلمتين: «الزغاريد أكثر من الكسكسي».
- برأيك ماهي أشد «حيرة» تعيشها المرأة التونسية اليوم؟
هي حيرتها مع نفسها لأن العقلية المتخلفة التي حاولت أن أوضحها في كتابي الأخير «وليس الذكر كالأنثى»، ليست عقلية رجالية فقط بل كذلك نسائية ذلك أن المرأة هي من تقوم بتربية الرجل على ذلك، فالمرأة التونسية تعيش حيرة مع نفسها وهي بداخلها ممزقة بين صورة المرأة المسؤولة والشريك الواعي والمساند والمساوي للرجل وبين صورة الجارية التي هدفها وحلمها الأساسي الزواج مهما كان، وهي ممزقة كذلك بين أن تكون عنصرا فاعلا أو تكون مجرد «شيء» أو متاع للرجل بمقابل اجتماعي أو مادي أو معنوي.
هي نفسها المرأة المتقدمة المثقفة التي تطلب من الرجل «صياغة» ليهديها إليها عند الزواج بها، وهي نفسها التي تميز بين ابنها وبين ابنتها. إذن فالمرأة اليوم مازالت ممزقة بين صورتها كشريك فاعل وبين صورتها كجارية.  يوم تتجاوز المرأة بنفسها هذه التمزقات سوف تتطور المجتمعات بنسائها ورجالها.
- ماذا تقول الدكتورة ألفة يوسف للشاعر أولاد حمد؟
هو شاعر ونصف..
- وللباجي قائد السبسي؟
أقول له ذات الجملة التي قالها خلال حملته الانتخابية وهي « أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا...»
- وماذا تقولين لنواب الشعب؟
أقول لهم هذا البيت الشعري: «لا تنه عن خلق وتأتي مثله.. عار عليك إذا فعلت عظيم.»
- وللمنصف المرزوقي؟
لا يكفي أن تقول انك مثل مانديلا وغاندي. لا تقل لنا ذلك بل اجعلنا نراه فعلا في سلوكك.
- وللشعب التونسي؟
عندما تتغير سيكون لك ما هو أفضل وما تريده.
- الكلمة الاخيرة لك
تونس في حاجة اليوم إلى كثير من المحبة والى كثير من الحوار الهادف. يكفي تشنجا فنحن اليوم في حاجة إلى حوار هادئ حتى نستطيع بناء تونس كما نريدها للأجيال القادمة.

حاورتها: منارة تليجاني